ابن الجوزي
187
صفة الصفوة
أبو سمير عن مالك قال : إن لكل شيء لقاحا وإن الحزن لقاح العمل الصالح ، إنه لا يصبر أحد على هذا الأمر إلا بحزن ، فو اللّه ما اجتمعا في قلب عبد قطّ : حزن بالآخرة وفرح بالدنيا ، إن أحدهما ليطرد صاحبه . عن جعفر بن سليمان قال : قال مالك بن دينار : إذا ذكر الصالحون فأفّ لي وتفّ . سعيد بن عصام قال : سمعت مالك بن دينار يقول : كان الأبرار يتواصون بثلاث : بسجن اللسان ، وكثرة الاستغفار ، والعزلة . أبو الحسن البصري قال : دخل مالك بن دينار على رجل محبوس قد أخذ بخراج خرّج عليه وقيّد . فقال : يا أبا يحيى أما ترى ما أنا فيه من هذه القيود ؟ فرفع مالك رأسه فإذا سلّة قال : لمن هذه السلّة ؟ قال : لي . قال : فمر بها فلتنزل ، فأنزلت فوضعت بين يديه فإذا دجاج وأخبصة فقال : هذه وضعت القيود في رجلك لا هم وقام عنه . قال : وكان مالك بن دينار يطوف بالبصرة في الأسواق فينظر إلى أشياء يشتهيها فيرجع فيقول لنفسه : أبشري فو اللّه ما حرمتك ما رأيت إلّا لكرامتك عليّ . جعفر قال : سمعت مالك بن دينار يقول : إن البدن إذا سقم [ لا ] « 1 » ينجع فيه طعام ولا شراب ولا نوم ولا راحة . وكذلك القلب إذا علق حبّ الدنيا لم ينجع فيه المواعظ . وسمعته يقول : بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج همّ الآخرة من قلبك وبقدر ما تحزن للآخرة فكذلك يخرج همّ الدنيا من قلبك . عن جعفر بن سليمان قال : جاء محمد بن واسع إلى مالك بن دينار فقال : يا أبا يحيى إن كنت من أهل الجنة فطوبى لك . فقال : ينبغي لنا إذا ذكرنا الجنة أن نخزى . عبد العزيز بن سلمان العابد قال : انطلقت أنا وعبد الواحد بن زيد إلى مالك بن دينار فوجدناه قد قام من مجلسه فدخل منزله وأغلق عليه باب الحجرة فجلسنا
--> ( 1 ) زيدت على المطبوع لسياق العبارة .